الحماة والكنّةّ *

Printer Friendly, PDF & Email

قالت بكل امتعاض وبكاء محموم: لا أستطيع أن أستقّل في بيتي، وزوجي لا ينفك يذكر أمه، فكأنما أنا عنده مواطنة من الدرجة العاشرة، لا يعبأ بمشاعري، ولا يهتم لحالي! هل تزوجت أنا أمّه وكل أهله؟ ماذا أفعل بحالي؟

وقالت الأخرى: ابني حاله تغيّر، ومزاجه تعكّر، يدخل علينا (والكشرة بقدر عشرة). كلامنا عنده غير مسموع، وزادنا عنده (وجع معدة، ومغص كلية) وما يمشي الحال الا برضا (ست بدور). اذا دخلت علينا يتوتّر ويتعرّق وكأنه عمل جريمة، ويمشي أمامها والضحكة مرسومة، وعلى خاطرك يا (مدام)، ويا ريت الحال مقبول والذنب مغفور!

القصّة متكررة وتدور عليها أنواع الطُّرَف، وهي قصّة قديمة لم يخلُ منها بيت؛ ولن يخلو. ورد مثلها عند السلف، ولا ينفّكُ يعاني منها كل من خلف. ففي الماضي سُئلت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- عن فاطمة ُبنت قيس فقالت: «لا أنقم عليها شيئا؛ الا أنها كانت سليطة اللسان على أحمائها». وسُئلت عن الذي كان بينها وبين علي وفاطمة-رضي الله عنهم جميعا- فقالت: «ما كان بيني وبين علي وفاطمة الاّ ما يكون بين المرأة وأحمائها».

انها حُمّى التّنازع. وأعني بها حمّى الاستحواذ على المُشترك العاطفي، أي مشاركة امرأتين في حب رجل واحد ولو بطريقة مختلفة. قد يكون للمصلحة المادية فيه جانب؛ الا أن الحبّ الشديد الى درجة التملك يطغى على المشهد، وقد يكون الرجل بينهما الضحيّة؛ بل كلّهم ضحيّة، وكلٌّ من زاويته وروايته الخاصة.

فالزوجة تريد هذا الرجل صفيّا لنفسها لا يشاركها فيه مشارك، وهي تريد أن يتوّجها على عرش قلبه فيأتيها اذا طلبته حملا وديعا. ويؤذيها بكل تأكيد أن لا تجده كذلك، وهي ترى كل صديقاتها او أخواتها قد نلن هذه الحضوة من أزواجهن! فطلّتها يجب أن تكون في عينيه الأجمل، وطبختها لا بد أن تنسيه كل ما تذّوق من طعام في حياته، ورنة تلفونها هي الرنة الوحيدة التي لا يجب ان تؤجَل بكلمة مشغول، فنداؤها دائما:»سريّ وعاجل»!

أمُّ الرجل كذلك، سعت له من بيت الى بيت لتجد له عروسا هي أخيرا (بنت الحلال المطابقة للمواصفات)، تريحه وتهنيه، (وتعرف واجبه وواجب أهله). وهو في عينيّ أمّه وقلبها وعقلها، وفي كل أحواله الطفل الذي كبر على عينيها. فهي لن تطيق أن ترى ابنها الحبيب مغيّب في بيته لا يطلّ عليها الاّ في المناسبات، ولا تملك من خدماته الاّ اذا فاض الأمر وزاد عن حدّه. وبكل تأكيد فان سبب التقصير سيكون دائما انشغاله بسفاسف الزوجة وقصص أهلها، والاّ فهو كان قبل ذلك حاضر وكريم وطوع اشارة أمه وأبيه!

الحلّ لهذه المعضلة ميسور وبكلمة واحدة: «التقوى»، فهي باعث وشاهد على عمل كل هؤلاء، وكلهم على نيّاتهم سيحاسبوا؛ «فالعمل نيّة». الحماة في النهاية هي أمّ كأمّي، كبيرة وذات خبرة وتجربة، تحب أن تكون الأمور على خاطرها وبطريقتها، فهي كانت دائما سيدة المنزل، الساعية على راحة كل من فيه بلا كلل او ملل. قد تبدو نزقة أحيانا كأمّي، التي تركتها ورائي مع كنتها (زوجة أخي)، لا يعجبها العجب؛ الاّ انني أرجو فيها رضا ربي- سبحانه، ففي النهاية :»من أرضى الله بسخط النّاس، أرضى عنه الله وأرضى عنه الناس، ومن أسخط الله برضا الناس سخط عليه الله وسخط عليه الناس». المعادلة اذن سهلة، ويلزم لتطبيقها مراقبة الله ومجاهدة النفس في كل مرّة. فيكفي أن أتذكر أن زوجي هو ابنها الذي أحبته؛ وما زالت تفعل. فلعلني أضيّق الخناق عليهما؛ فلا أفسح لأمّه بجلسة خاصة معه ترى ابنها قريبا من قلبها ورجلا مع كل ما حوله من مشاغله الأسرية حانيّا عليها.

ويكفيني أيضا أن أتذكر أن زوجة ابني كابنتي، خبراتها الزوجية قليلة، وحبها لابني عظيم، وسعيها في أن تكون درّة أيامه دائب لكن؛ بطريقتها. وربما يجب أن أتسامح مع عنادها الشبابي وهفواتها المتكررة أكثر، ويجب أن أتقبل ذلك، فلا أكثر النقد والمساءلة، وأكتفي بالمراقبة وتقديم النصيحة بالكياسة واللباقة. سأجاهد النفس وأوطّنها على النظر اليهما وهما يحاولان بناء أسرتها بالكيفية التي يرغبان، فنحن بالنهاية (ربيناهم لزمان غير زماننا).

سياسة تقبل الآخر وما يلزمها من احترام خصوصيته فاعلة في انسجام العائلة. وربما تكون هي الأسلم والأكثر حكمة للخروج من هذا القمقم، وقد قالوا قبلنا: (الزمن دوّار)، فما مضى من أعمالنا سيأتينا لاحقا بثماره، والتي هي من أيدينا؛ فالزوجة ستغدو حماة وسيكون عندها هي الأخرى كنّة!