عندما تتزاحم النوتات بموسيقاها العذبة على شواطيء الخلجان في مدينة يافا بمزاجية المد والجزر تسمع للخطى وقعا وايقاعا بسلمه الموسيقي من ذاك العزم الواثق مع الموج الهادر لينشدا معا الحان الأمل وترنيمة العزائم الناهضة بحلم الغد ليرى صدى هذه الدقات تتبلور بتشكيل رائع لقارب ينساب متمخترا عباب البحر ودنيا طلاسمه يلاحق هروبه الشارد دوما مع طيات الامواج وجمالها.
من يافا .. من ملتقى بضائع الشرق والغرب ،من مينائها العتيق وتاريخها الذي يمتد لأكثر من 4000سنة قبل الميلاد ، من مملكة غزاها الفراعنة،والآشوريون، والبابليون، والفرس، واليونان والرومان حتى فتحها القائد الاسلامي عمرو بن العاص ..من مدينة خضعت لكل المماليك الاسلامية إلى احتلال الاتراك لها الى الانتداب البريطاني حتى النكبة عام 1948 باحتلال الصهاينة لها وتشريد غالبية أهلها وسكانها .من نافذة فلسطين الرئيسية المطلة على البحر المتوسط وإحدى بواباتها الهامة .. من أحيائها القديمة المنشية ، والعجمي ، وارشيد، والنزهة، وحي الجبلية .من هذه المدينة الكنعانية العربية الأصيلة ذات الخمسة آلاف عام من الحضارة ولدت ليلى ابنة محمود يوسف الفار عام 1938 وعاشت طفولتها حتى تزوجت من ابن عمها في سن الخامسة عشر وهو في الثامنة والعشرين من عمره والذي حمل اسم والدها ''محمود''حتى ظن الناس أنها ابنته.
صفي لنا الجو الذي ولدت به؟
حسب ما سمعته من أمي ، كانت يرحمها الله قد فقدت طفلين من الذكورأحدهما في الخامسة من عمره والثاني سنتين مما أثر على نفسيتها حتى انها قررت عدم انجاب الطفل الذي كانت تحمله في أحشائها خوفا من أن تفقده أيضا وأصبحت تضرب بطنها لتتخلص منه، كنت ''أنا'' في أحشائها .. ومن أنا ؟..فتاة وليس ذكرا فأي كارثة وقعت عليها .. بداية كرهتني ورفضت إرضاعي حتى أخبرتها جدتي ان ما تقوم به يتنافى مع منطق الأمومة وان ما بين يديها طفلة ولا أجمل ، فلان قلب الأم ورضعت من حليبها حتى ارتويت لكنها لم تفلت من امتحان القدر لها ثانية بانجاب ثلاث بنات أخريات.. أربع شقيقات متقاربات على رؤوس بعضهن وشقيقة جاءت قبلي بعشر سنوات بينهن شقيق حصد الدلال والرعاية والاهتمام .. كيف لا وهو الأمير بين خمس وصيفات؟..
في ذلك الوقت وحتى الآن ما زال للولد نصيب الأسد بالأهمية والإهتمام فهو السند الذي يشعر الوالدين بالفخر والاعتزاز تجاهه.
حدثينا عن طفولتك .. مدرستك ..مراهقتك.. صديقاتك وبنات الحي..
لم أعش طفولتي ولا مراهقتي ابدا .. حتى انني لم أعرفهما لكنني ذهبت بداية إلى الحضانة بصحبة أمي فكنا نسبق الصف الأول بصفين أو ثلاثة.. والحضانة كانت مثل النادي، نتعلم فيها الأحرف الأبجدية والألعاب المسلية ،وفي سن السادسة دخلت الصف الأول الابتدائي في مدرسة ديراللاتين.
واذكركانت تعلمنا'' ''مس'' سارة جارالله، وهند وكاملة الدباغ، وأيضا ''مس'' فريدة. في هذه المدرسة استمريت حتى الصف الخامس وكنا نمارس فيها انشطة مسرحية ، كنت أمثل، وكان والدي فخورا بي جدا لأنني كنت أجيد التمثيل على المسرح بكل جرأة، فكان يأتي بأصدقائه ونسائهم ليشاهدوا ابنته الأعجوبة، ومن انشطتنا المدرسية أيضا كنا نلعب الرياضة كانت المعلمة تعلمنا ألعابا سويدية والركض وكرة الطائرة ولأنني كنت قصيرة كانت زميلاتي اثناء ممارسة كرة الطائرة يضحكن على طول قامتي علما أنني كنت اقفزأعلى من أي فتاة طويلة لصد الكرة للفريق الخصم واحرز نتائج جيدة مما كان يثير اعجاب الزميلات فيصفقن لي.
أما سكننا فقد كان في موقع أغلبه دوائر ومكاتب للصحف، فكان مثلا بجانبنا جريدة الدفاع، ولم يكن هناك سكان كثيرون لذلك لم احظى بصحبة بنات الحي وحتى لوكان فالخروج من البيت كان محظورا على البنات ولم نختلط بأي أحد بالشارع لكنني لم اضيق ذرعا بالتعليمات التي كانت تمليها علي والدتي فبيتنا في يافا حديث الطراز ووسائل الراحة متوفرة فيه ، فكنت وشقيقاتي نكتفي باللعب مع بعضنا داخل البيت حيث أن بيني وبينهن سنوات متقاربة ، كنت أعمل عليهن القائد كوني أكبرهن سنا ، أما أختي الكبيرة فكانت تكبرنا بسنوات لدرجة أنه لم يكن لها علاقة بنا، فكنا نلعب ''بيت بيوت'' وكنت أقوم بدور ربة الأسرة، أخيط الملابس لألعابهن، وأقوم بعمل تنظيم للزيارات الأسرية فيما بينهن ، وتوزيع المهام عليهن لكن لم أكن ألعب، حيث كنت جدية زيادة عن اللازم. أحببت هذا الجانب من شخصيتي، فهو جانب تنظيمي أكثر منه ترفيهي مسلي.
أما جيراننا فما زلت اذكر هم جيدا كانوا من الأرمن ولم يكن هناك إلا عائلة واحدة عربية من عائلة الدباغ، كنت أحب جيراني الأرمن جدا، حتى أنني وددت أن يكونوا أهلي، كانوا رقيقين في معاملة الأطفال ومحبين للآخرين بشكل عجيب، ولديهم تسامح كبير.
كنت تقومين بدورالاداري والقائد طفلة.هل رافقتك هذه الصفة فيما بعد؟
لم أكن أشعر بشيء مما كنت أقوم به في حينه، لكنني كنت أحب هذا الدور ولأن شقيقاتي هن أصغر مني شعرت انه يجب أن أديرهم، وكان لدي بنات خالي أيضا يلعبن معنا في الأوقات التي تأتي بهن والدتهن عندنا، كنت أترأس المكان .
وبعد أن تعديت مرحلة العشرينيات بدأت أشعر بأن القيادة جزء أساسي من شخصيتي ،بدأت أطبق هذا الدور بعد زواجي.
كيف ؟
شعرت بعد زواجي ان الفكرة السائدة في المجتمع ان الزوج عليه التعامل مع زوجته كما يريد المجتمع له وليس كما يريدان هما ، وكفتاة صغيرة كان يجب على زوجي حسب ما كان يمليه عليه البعض أن زوجتك صغيرة وتستطيع ان تربيها على ''كيفك'' . هذا المنطلق الذي مارسه زوجي علي لمدة ليست أقل من خمس سنوات لم يعجبني وجعلني أفكر بضرورة تغيير نمط سلوكي في حياتي الزوجية وبدأت شخصيتي تظهر، وأرفض كل ما لا أقتنع به.
في قرارة نفسك ماذا كنت تشعرين؟
كنت اشعر انني أكبر من عمري وان طموحاتي التي لم احقق منها إلا القليل محتها الظروف التي عشتها فمثلا لم يكن هناك أي حوار مع الأهل بل شدة وحزم لأنهم كانوا متوترين، وأنا لم أكن أعرف السبب بأن والدي فقد عمله، وأن والدتي تركت مزارع والدها وبقيت في رام الله مما اضطررنا للذهاب مع والدي الذي بدأ يبحث عن عمل فلم يجد فعدنا الى رام الله ومنها إلى غزة دون جدوى لنعود ادراجنا ثانية الى رام الله ثم الى العقبة وكنت حينها في العاشرة من عمري وهي المرة الأولى التي أخرج بها من فلسطين.. كان أخي بيننا وكان دائما محط أنظار والدي كوحيد بين شقيقاته، وكما قلت كان مدللا ولهذا السبب وغيره اصبحت أغار منه في داخلي ، حيث كان يقدم له أفضل الطعام وافضل الملابس ويعامل أحسن معاملة وعندما كبرنا تفهمنا خوف والدتنا ودلالها لأخي، فأصبحنا نحن أيضا ندلـله ونشعر بأنه مميز ويجب أن يأخذ حقه، مع أنه كان يرفض هذا الدلال لأنه منذ طفولته بعد ان اصيب بمرض التوفئيد وشفاه الله أصبح متدينا مدركا سوية التعامل بين الأشقاء عند ذويهم.
في العقبة استقر والدي وفي مخيم الانجليز حيث كانوا متواجدون في الأردن فعمل مترجما، أسعفته اللغتة الانجليزية التي أتقنها محادثة فقط من اختلاطه مع الإنجليز في فلسطين . وبعدها عمل مع البريطانيين في زمن الانتداب وقد اتهم بأنه كان من الثوار ولكن لم يثبت صحة ذلك كما وانني عندما كبرت لم أجده بالإنسان الثوري، فقمت بتنحية الفكرة من رأسي، لقد أحب والدي الإنجليز، وبالغ في مدحهم لي فكنت أغضب مما كان يقوله عنهم ورغم الأحداث ومرور السنين بقيت كما كنت عربية في كل أحاسيسي ومشاعري وفي كل مسامة من مساماة جسدي كما ولن اغير فكري عما طالنا من الاستعمار والمستعمرين الانجليز وغيرهم وما أوقعوه بنا من ويلات وحروب ما زلنا نعيشها ونحصد نتائجها حتى الآن.
ما الذي علق بذاكرتك بعد خروجكم من فلسطين؟
عندما خرجنا من يافا إلى بيت جدي في اللد، حملنا العفش والأغراض ووضعناها في بيته وهو من المباني الكبيرة القديمة ، فالجدران كانت سميكة جدا، والشبابيك كانت بعمق متر، والغرفة كانت مساحتها من10-15 مترا،كنا نشعر وكأننا في فسحة، وعندما جلسنا في اللد لفترة قليلة هجم اليهود عليها، وكان خال والدتي جار لنا، فسمعت صراخا ولم أعرف لماذا حيث كان البيت مغلقا علينا، وبعدها علمت بأن خالي خرج لمقاومة اليهود من سطح منزله وأطلق عليهم الرصاص فردوا عليه فاستشهد هذا ما عرفته من والدتي بعد أن خرجنا من اللد وما زال الموقف عالقا في ذهني حتى ان صوت الرصاص كلما اذكر الحادثة اسمع صداه وكأنه للتو.
الأمل هل كان رفيقك بمتابعة دراستك في العقبة؟
الأمل كان وما زال رفيقي حيث حللت وما اذكره في عام 1950 عندما جئنا للعقبة لم امكث فيها أكثر من ثلاث سنوات .. كان عمري وقتها 15 سنة، حيث ذهبت إلى بيت شقيقتي المتزوجة في عمان بصحبة جدي الذي جاءنا من رام الله زائرا الى العقبة ولرغبة والدتي بمتابعة دراستي لعدم وجود مدارس في العقبة وقالت ضاحكة باستثناء المدرسة التي فتحتها في بيتنا وعمري 15سنة ، حيث كانت السيدات يرغبن بتعليم أبناءهم القراءة والكتابة .كانوا يسألوا عن معلمة، فأخبرتهم أمي عني وعند مشاهدتهم لي لم يقتنعوا بي لصغر سني فيعودوا أدراجهم مما كان يثير غضبي لانني كنت واثقة من قدرتي على تدريس ابنائهم خاصة اللغة العربية، وفي يوم جاءت سيدة من عائلة الجاعوني وهي من سكان العقبة ومعها ابنها وابنتها الصغيرين وعرفت انني المعلمة فاقتنعت بي ووضعت ولديها عندي فسررت كثيرا من هذه المرأة لثقتها بي وقد بذلت جهدا كبيرا لتعليمهما، ومن خلال هذه السيدة الواعية تشجعت الأمهات وأتين لتعليم ابنائهن حتى اصبح عندي خمسة طلاب وكنت أحصل على 30 قرشا وأحيانا نصف دينار في الشهرعن كل طالب. كنت أشتري بالمبلغ أغراضا مثل ''بكل'' شعر و''شبر'' ملون وأساور لأخواتي وأحيانا أعطي والدتي ما تبقى.
هل شعرت للحظة انك كنت تتحملين المسؤولية؟
لا .. كانت والدتي هي التي تتحمل المسؤولية كاملة، لكنني كنت أكبر أخواتي، فكنت أشعر بأنني الكبيرة ويجب أن أترفع عن كل الأمور الصغيرة.
كيف تعرفت على خطيبك؟ بعد زيارة جدي للعقبة اصطحبني كما قلت لبيت شقيقتي في عمان لرغبة أمي في متابعة دراستي فجلست عند أختي أسبوعا حيث كانت متزوجة ولديها ابنتين ، وبعدها عدت إلى رام الله فلحق بي ابن عمي من عمان الى رام الله وهو ''سلف ''اختي التي كنت عندها وخطبني من جدي فوافق بشرط ان يعود الى والدي في العقبة لطلبي منه وبالنسبة لي لم أكن أعرف عن هذا الموضوع شيئا، فوافق والدي عليه لأنه ابن العم وحصل النصيب وتزوجت في كانون ثاني من عام 1953.
هل تذكرين مؤخر زواجكما؟
25 دينارا.
صفي لنا حفل خطبتك وزواجك
تم عمل حفلة خطبة صغيرة في بيت شقيقتي في عمان، وبعد ها عدت إلى بيت جدي، ودامت الخطبة سبعة أشهر، وفي فترة الخطبة لم أره ولم يراني، حيث كنت في رام الله وهو يعمل في عمان بالتجارة وعندما كنت اعيش مع شقيقتي في عمان قبل خطوبتنا لم أكن أراه أيضا حيث كان دوامه طويلا من الصباح إلى المساء، حتى انه كان يتناول وجبته في المحل لكن في أيام الجمع وهي جمعة واحدة التي جمعتني به كنا نجلس مع بعض لتناول الطعام، وبعدها عدت إلى بيت جدي في رام الله.
لم اكن اثناء فترة خطوبتي أعرف شيئا عن الارتباط ،كنت جاهلة في هذه الامور نهائيا ولا أعلم لماذا، فعندما أنظر إلى فتيات اليوم أجد الفتاة بعمر 14 سنة تفهم كل شيء، وما فهمته فقط انني سأتزوج وانا لا أعلم عن الزواج سوى انه فستان أبيض و '' طرحة'' ومكياج ، ولبست الفستان الأبيض وقامت شقيقتي بتجهيزي بحكم أنها (سلفتي) وتفهم في الموضة ، وكانت تعرف خياطة تخيط ملابسها عندها اسمها انشراح زكريا ولهم محلات ''ألفا''، وكان لون فستان عرسي أزرق باهت، فهم الذين اختاروه لي حيث لم يكن لي رأي، وأرسلوني للصالون لعمل ماكياج وتسريحة، والتي قامت بتزييني سيدة من دار أغابي.
في حفل الزواج كنت اغير ملابسي وكانت استعارة .. غيرت أربعة فساتين بالألوان الأسود والأحمر والأخضر والأزرق بموديلات مختلفة وهذا كان أجمل ما في العرس، وكان لكل بدلة أغنية ورقصة، فهذا كان متعة بالنسبة لي ولزوجي الذي كان مصمودا بقربي على لوج خصوصي مزين بالورد والالوان الزاهية.
هل كنت مدللة عند زوجك على اعتبار صغر سنك؟
نعم كان يدللني، وكان عطوفا معي، يشعر بأنني صغيرة ولا أفهم كثيرا فلم يكن قاسيا بل كان رحيما ويحاول الصبر في تعامله ومعاملته لي، لكن بحكم أن هذا الأمر جديد علي، ولم يكن لدي فكرة عن الحياة الزوجية أذكر أنني بعد حفلة الزواج أخبرته بأنني لا احب أن ينام أحد بجانبي وأريد أن أنام لوحدي، فوافق بلطف شديد، ومن تعبي بسبب العرس وموافقته على أن لا ينام عندي، وضعت رأسي ونمت نوما عميقا.
بحكم بعدك عن والديك ممن كنت تتلقين النصيحة؟
منذ البداية نصحتني أمي بأن أسمع كلام شقيقتي لأنها تكبرني سنا ولأننا نعيش مع بعضنا وكانت شقيقتي خير رفيق لي ..كما ان ''حماتي'' كانت تساعدني ايضا في بداية حياتي وبعد سنة من زواجنا بدأنا نفكر وزوجي السكن في بيت مستقل وكانت معنا حماتي فسكنا في جبل التاج ومنه الى جبل الجوفة، وكانت خالتي قريبة مني وهي امرأة رأيها سديد وذكية، صادقتها وشعرت بقربها بأمان بعد عودة والدتي الى رام الله.
متى شعرت باستقلالية تامة كزوجة وأم وربة بيت؟
اذكر ان والدي كان شديد الانتقاد لي سواء كنت على صواب أم على خطأ مع أنه كان رجلا ذكيا وفهيم، لكنه كان يشعر بأنني متعالية، فأي مشكلة كانت تحصل كان يضع اللوم علي، وفي احدى المرات تجرأت وأخبرته وحينها كنت متزوجة، قلت له يا أبي لقد اكتشفت أمرا هاما وهو سواء كنت بريئة أم ظالمة أم مظلومة إلا انني عندك في مقعد المتهم، فبعد اليوم لا تناقشني ولا تتحدث معي في حياتي الشخصية.. فقال لي لا بد ان عقلك كبر وأصبحت لوحدك تفكرين.. قلت نعم. وفعلا منذ تلك اللحظة اتخذةت مسارا جديدا لحياتي، فأصبحت أفكر لوحدي وأتصرف بما يشيره علي عقلي في الاتجاه الأصوب في حياتي الشخصية.. فعندما بدت أخطط لحياتي لوحدي بدأت الأمور افضل بكثير.
هل الرجل في زمنكم كان '' سي السيد '' وهل قلدت أمك في تربيتك لأبنائك؟
نعم، الرجل كان ''سي السيد'' والذي كان لا يستطيع ان يسيطر على زوجته فلا داعي أن يتزوج لأنه لا يعتبر رجلا. وبالنسبة لي ولأغلب النساء كن نتبع خط أمهاتنا، حتى المتعلمات منا وان كنا صغيرات نحتج على اسلوبهن ونرفضه لكننا عندما اصبحنا أمهات وعن نفسي أقول فقد أديت دور والدتي في تربيتي لأبنائي بغض النظر صحيحة كانت أم خاطئة.حتى انني كنت قاسية على بناتي أكثر من قساوة والدتي علينا قبل أكثر من نصف قرن.
هل كانت في أيامكم أماكن للترفيه تذهبين وزوجك إليها؟
نعم .. كنا نذهب إلى السينما كثيرا، فأولادي كانوا ينامون مساء وحماتي موجودة في البيت فيوجد مجال في المساء أن نذهب إلى السينما وكنا نشاهد الأفلام العربية، لفاتن حمامة، وشادية، وكنت أحب فريد الأطرش، وكان زوجي عندما أخبره عن حبي لفريد الأطرش وأغانيه كان يغضب واذكر في إحدى المرات نزل فريد الأطرش في فندق فيلادلفيا الذي تم للأسف الشديد هدمه وهذا الفندق كان يقع بين المدرج الروماني والجوفة، فمررت من هناك وكان الناس يتحدثون ويقولون بأن فريد الأطرش يجلس في حديقة الفندق، فقمت بالاقتراب والنظر منه فوجدته جالسا قريبا جدا من سور الحديقة . وجدت رجلا قصير القامة رأسه كبير جدا وشعره كثيف، فلم اصدق بأنه فريد الأطرش الذي يمثل في الأفلام، حتى أنه نظر إلينا وضحك لنا، فغيرت رأيي به نهائيا لأنه لم يعجبني كشكل وأخبرت زوجي بما حصل معي فاستغربت بأن زوجي كان مسرورا جدا لما سمع مني انني لم أعد معجبة بفريد الأطرش ومن هذا الموقف لم أعد أخبر زوجي بأنني معجبة بشخصية ما ولو أعجبتني فلا أعطي رأيي ليس فقط لزوجي بل لجميع الناس من الرجال لفهمهم الخاطىء في تفسير الأشياء.
ما الشيء الذي ما زال في نفسك ولم تحققيه؟
العلم، كنت أحب أن أتعلم، وهذه القضية كانت تشغل بالي على الدوام، ولم أحصل عليه،علما انني بقدر ما استطعت تعلمت وكان ذلك بمساعدة زوجي ودعمه لي. سجلت في المدرسة العربية في جبل اللويبدة وكان عندي أربعة أبناء وداومت حتى الصف الثالث الاعدادي ثم تابعت في البيت دراسة خاصة لتقديم الثانوية العامة لكن ما ازعج زوجي أيام التوجيهي وكاد أن يحرمني من تقديم الامتحانات النهائية ان اسمه كما قلت ''محمود'' على اسم والدي وكانت الطالبات يحسبنه أبي واحداهن كانت تعرف مكان عمله كتاجر أقمشة وهي زميلتي في المدرسة، فجاء أهلها لمحله وخطبوني منه، فانزعج كثيرا وقررعدم متابعة تعليمي وكان آخر ما حصلت عليه شهادة الثانوية العامة لكنني لم انجح للأسف.
ماذا علمتك الحياة؟
الصبر أولا ومزيدا من الحب فكما تعطي تأخذ . والحياة في نهاية المطاف لا تساوي جناح بعوضة وارجو الله ان يغفر لنا .








5118 ,Amman 11183, Jordan